الشيخ محمد رشيد رضا

644

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لمن لا عهد له » رواه أحمد وابن حبان في صحيحه . وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ان النبي ( ص ) قال « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » زاد مسلم « وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم » وقد ورد في الأحاديث إطلاق الأمانة على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان ، وليس المراد بهذا الحصر ، بل كل ما يجب حفظه فهو أمانة ، وكل حق مادي أو معنوي يجب عليك أداؤه إلى أهله فهو أمانة . قال اللّه تعالى في سورة البقرة ( 2 : 283 فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) وقال في سورة النساء ( 4 : 75 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) وقد أوردنا في تفسير آية النساء هذه مباحث نفيسة في الأمانات والعدل منها ( المسألة الثالثة ) في أنواع الأمانة ( والمسألة السادسة ) في حكمة تأكيد الأمر بالأمانة . وأوردنا في هذه ما قاله حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني في بيان كون الأمانة من الصفات الدينية التي قام عليها بناء المدنية وبها حفظ العمران ولاصلاح لحال أمة ولا بقاء لدولة بدونها لان عليها مدار الثقة في جميع المعاملات « 1 » وناهيكم بما عظم اللّه من أمر الأمانة في قوله ( 33 : 71 إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) وأما قوله وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فمعناه والحال أنكم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم اللّه تعالى إياها وسوء عاقبة تلك المفاسد في الدنيا والآخرة ، أو تعلمون ان ما فعلتموه خيانة لظهوره ، وأما ما خفي عنكم حكمه فالجهل له عذر إذا لم يكن مما علم من الدين بالضرورة أو مما يعلم ببداهة العقل ، أو استفتاء القلب ، كفعلة أبي لبابة التي كانت هفوة سببها الحرص على المال والولد ، ولذلك فطن لها قبل أن يبرح موقفه ( رض ) ولما كان حب الأموال والأولاد مزلة في الخيانة أعلمنا به عقب النهي عنها فقال * * * وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ الفتنة هي الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه أو قبوله أو إنكاره ، فتكون في الاعتقاد والأقوال والافعال والأشياء . يمتحن اللّه المؤمنين والكافرين ، والصادقين والمنافقين ، ويحاسبهم

--> ( 1 ) فيراجع ذلك كله في ص 173 - 179 من ج 5 تفسير